Khan Younis, Gaza Strip – يبدأ نواف الأخرس يومه بحمل الزجاجات والأوعية مع ابنه الأكبر إلى محطة تعبئة المياه على بعد حوالي كيلومتر ونصف (0.9 ميل) من خيمته في مخيم المواصي بجنوب غزة.
عند وصولهم، التقوا بآلاف من الأشخاص يحتشدون في المحطة، ينتظرون دورهم تحت أشعة الشمس الحارقة.
القصص الموصى بها
قائمة من 3 عناصرنهاية القائمة
نواف، وهو أب لسبعة أطفال نزح من رفح إلى المواصي قبل عامين، يصف الرحلة اليومية ذهابًا وإيابًا، والتي يمكن أن تمتد لمدة خمس ساعات أو أكثر، بأنها عذاب لعائلته وللفلسطينيين الآخرين الذين نزحوا نتيجة حرب الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل على غزة.
يقول نواف لقناة الجزيرة: “أقضي يومي بأكمله مع ابني في الانتظار في الطابور لملء المياه، حيث يأتي الناس من مسافات بعيدة جدًا”. “إنها معاناة يومية، فقط حتى نتمكن من شرب الماء”.
وقد تفاقم نقص المياه في الآونة الأخيرة في العديد من المناطق في جميع أنحاء غزة، بما في ذلك المواصي، بعد أن توقفت شركة إيتا – وهي شركة توفر المياه النظيفة والصالحة للشرب، وتخدم النازحين في جميع أنحاء القطاع من رفح إلى بيت حانون – عن العمل بسبب ما قالت إنه نقص التمويل.
يقول نواف: “كانت شاحنات المياه تأتي بشكل شبه يومي بالقرب من الخيام وتخفف من عبء جمع ونقل المياه”.
“لكن منذ عدة أسابيع، توقفت هذه الشاحنات، وتضاعف كفاحنا للحصول على مياه الشرب”.
يوضح نواف أنه بالكاد يستطيع ملء وعاءين صغيرين بسبب الازدحام الشديد والمنافسة الشديدة بين النازحين للوصول إلى محطات التعبئة.
ويقول نواف: “لقد متنا من الجوع، والآن يجربوننا الموت عطشاً… هذا ما بقي”.
“إن وعاءين لا يكفيان بالكاد لاحتياجات أسرتي اليومية من الشرب، مما يجبرنا على تقنين حتى مياه الشرب”
ويخشى نواف وغيره من السكان النازحين من تفاقم أزمة المياه بشكل أكبر، خاصة مع قدوم الصيف وارتفاع درجات الحرارة.
يقول نواف: “لن أبدأ حتى بوصف معاناة الصيف في الخيام… يبدو الأمر وكأننا نشوي في مقلاة حرفياً… لا يوجد سقف يحمينا أو يحمي أجساد أطفالنا… والآن، مع نقص مياه الشرب، ستكون الأمور كارثية بالتأكيد”.

الاحتجاجات
ودفع النقص الحاد في المياه في المواصي السكان إلى تنظيم احتجاجات. شارك مئات النازحين في إحدى هذه الاحتجاجات يوم السبت 5 أبريل، للمطالبة بوضع حد لأزمة مياه الشرب المتفاقمة وسط ظروف إنسانية قاسية، حيث تواصل إسرائيل منع دخول المساعدات الكافية إلى غزة.
وطالبوا المؤسسات الدولية والسلطات المحلية بالتدخل لمنع المزيد من التدهور، مشددين على ضرورة الاستجابة الفورية لإنقاذ حياة الآلاف من الأطفال وكبار السن، وأضافوا أن الحصول على المياه النظيفة هو حق أساسي من حقوق الإنسان.
وقال صلاح الكوش، أحد سكان المواصي وأحد المشاركين في الاحتجاج، لقناة الجزيرة إن النضال من أجل العثور على المياه أصبح كابوسا يوميا منذ أن توقفت شاحنات المياه التي كانت توفر إمدادات محدودة عن العمل.
وأضاف أن أسرته النازحة المكونة من 13 فرداً اضطرت إلى شراء “مياه المرافق” التي تحتوي على نسبة عالية من الملح للشرب والطهي والاستخدام اليومي، على الرغم من أنها لا تعتبر صالحة للشرب عادة.
وأضاف أن “الأزمة الحالية أجبرت العديد من النازحين هنا على استخدام المياه الملوثة”.
«أخاف على أطفالي الأربعة؛ كل يوم هناك حالات في المخيم لأطفال يمرضون بسبب تلوث المياه

البنية التحتية المتضررة
وتحولت منطقة المواصي، الواقعة غرب خان يونس، من شريط زراعي قليل الكثافة السكانية إلى إحدى أكثر المناطق كثافة سكانية خلال الحرب.
وبعد أن استضافت في السابق بضعة آلاف فقط من السكان، تدفق مئات الآلاف من النازحين إلى المواصي بعد تصنيفها على أنها “منطقة آمنة” من قبل القوات الإسرائيلية خلال حرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل. وعلى الرغم من تعرضهم للهجوم أيضًا والافتقار إلى البنية التحتية الأساسية لاستيعاب أعداد كبيرة، فقد انتقل عشرات الآلاف من الفلسطينيين النازحين من أجزاء أخرى من غزة إلى هناك، ويعيشون في خيام مكتظة.
وأدت الزيادة السكانية إلى تفاقم أزمة المياه التي وصفتها الأمم المتحدة بالكارثية.
ووفقاً لخبراء حقوق الإنسان التابعين للأمم المتحدة، فإن غالبية سكان غزة لا يحصلون على ما يكفي من مياه الشرب. ولم تكن الأزمة «يمكن التنبؤ بها فحسب؛ قال الخبراء: “لقد كان متوقعًا”.
كما أشار مسؤولو الأمم المتحدة إلى أن “الناس يحصلون على كمية أقل بكثير من المياه مما يحتاجون إليه”، مما يؤدي إلى انتشار الأمراض المنقولة بالمياه وسط ارتفاع درجات الحرارة وتدهور ظروف الصرف الصحي.
ويأتي هذا الانهيار نتيجة للتدمير الإسرائيلي واسع النطاق للبنية التحتية للمياه، إلى جانب نقص الوقود والقيود الإسرائيلية على دخول المعدات اللازمة للصيانة.
وأكدت سلطة المياه الفلسطينية أن الهجمات “دمرت البنية التحتية للمياه في قطاع غزة”، بما في ذلك “حوالي 65 بالمائة من آبار المياه” في بعض المناطق، مما أدى إلى انخفاض حاد في قدرة القطاع على إنتاج وتوزيع المياه.
ونتيجة للحرب، انخفض نصيب الفرد من المياه المتوفرة بنسبة 97 بالمائة، في حين يقدر إجمالي المياه المتاحة في غزة الآن بما يتراوح بين 10 إلى 20 بالمائة فقط من مستويات ما قبل الحرب.
ولا يزال هذا الإمدادات غير مستقر ويعتمد على توافر الوقود، حيث تعتمد غزة بشكل أساسي على مصادر المياه الجوفية، وفقًا لتقرير صادر عن سلطة المياه الفلسطينية.
مشكلة منهجية
وفي الوقت نفسه، تحذر منظمات حقوق الإنسان من أن الأزمة لم تعد مجرد نتيجة ثانوية للحرب، بل اتخذت طابعاً ممنهجاً.
وبحسب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، فإن “نقص مياه الشرب النظيفة أصبح مسألة حياة أو موت” بالنسبة للمدنيين.
كما جادل خبراء الأمم المتحدة في رسالة في يوليو 2025 بأن ما يحدث يتجاوز الأزمة الإنسانية التقليدية ويندرج ضمن استخدام الموارد الأساسية كأداة للضغط.
وقال الخبراء إن القضية لا تقتصر على تدمير البنية التحتية، بل تشمل أيضًا قطع الإمدادات، وتقييد دخول الوقود اللازم لتشغيل مرافق المياه، وعرقلة جهود الإصلاح والصيانة.
وقال الخبراء: “إن الحصار الذي تفرضه إسرائيل وتدمير البنية التحتية المدنية قد أدى إلى نزوح معظم سكان غزة البالغ عددهم مليوني نسمة، وعدم إمكانية الحصول على الحد الأدنى من الكمية الحيوية من مياه الشرب”.
وقد أدى هذا النمط المتكرر، الذي يجمع بين الاستهداف المباشر والقيود المستمرة، إلى انخفاض متعمد في كمية المياه المتاحة للسكان.
وحذر خبراء الأمم المتحدة من أن “استخدام العطش كسلاح” أصبح أمرا واقعا في غزة، مؤكدين أن “قطع المياه والغذاء هو قنبلة صامتة ولكنها قاتلة”.
وتنعكس هذه الديناميكية في الحياة اليومية، حيث يضطر الناس إلى السفر مسافات طويلة للوصول إلى مصادر المياه المحدودة، والانتظار لساعات في طوابير، وأحياناً المخاطرة بحياتهم في مناطق غير آمنة.
ومع الانقطاع المتكرر للإمدادات وعدم الاستقرار، لم يعد الوصول إلى المياه مضمونا، مما تحول من خدمة أساسية إلى أداة للسيطرة على حياة المدنيين.




