Home الحرب الحرب مع إيران تقسم المسلمين في الفلبين

الحرب مع إيران تقسم المسلمين في الفلبين

26
0

كان للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وإغلاق مضيق هرمز تأثير زلزالي في جميع أنحاء العالم. وفي جنوب شرق آسيا، أصيبت الاقتصادات بالشلل بسبب نقص النفط والغاز المسال والمنتجات الأساسية الأخرى التي يتم تصديرها عادة عبر المضيق.

وكانت الفلبين أول دولة تعلن حالة الطوارئ نتيجة لذلك، لكن ذلك لم يفعل الكثير لتخفيف النقص. وشهدت البلاد احتجاجات متكررة ضد ارتفاع الأسعار.

لكن تأثير حرب إيران لم يقتصر على المجال الاجتماعي والاقتصادي. وقد أثر الصراع أيضًا على المجتمعات الإسلامية في البلاد، خاصة في منطقة بانجسامورو ذاتية الحكم. وقد أدى ذلك إلى تعميق الاستقطاب بين العلماء المسلمين المحليين، مما يهدد تماسك المجتمع.

عندما بدأت الحرب، كانت ردود الفعل على وسائل التواصل الاجتماعي وفي الأماكن العامة سريعة. وبشكل عام، ظهر معسكران. وأيد أحد المعسكرين الإجراءات الانتقامية التي اتخذتها إيران ضد الولايات المتحدة واستهدافها لقواعدها في الدول المجاورة. على سبيل المثال، كتب أحد أفراد المجتمع الإسلامي في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أن صلاة المسلمين من أجل غزة يتم الرد عليها من خلال القوة الإيرانية والانتقام من إسرائيل؛ وكتب آخر أن طهران تلعب دورًا فعالًا في استعادة الاحترام والكرامة المحطمة للمسلمين.

أما المعسكر الآخر فقد عارض إيران، مشيرًا إلى أنها دولة شيعية، وبالتالي معادية للمجتمعات السنية. ويرى أحد علماء هذا المعسكر أن الشيعة أقرب إلى الصهاينة، واصفا الأول بالعدو الخفي والثاني بالعدو الظاهر.

إن ديناميكية وجهات النظر المتضاربة هذه ليست بالأمر الجديد بين العلماء المسلمين في بانجسامورو. ظهر نمط من الانقسام واضح بشكل متزايد بعد أن أقامت اتفاقيات إبراهيم علاقات دبلوماسية بين إسرائيل والعديد من الدول العربية. مثل هذا الخلاف حول قضية جيوسياسية في الشرق الأوسط لم يسبق له مثيل من قبل. وأدى ذلك أيضاً إلى انقسام حول القضية الفلسطينية.

ومن المهم أن نشير هنا إلى أن الفلبين لديها تاريخ طويل من التضامن مع فلسطين. وكانت المظاهرات التي نظمها الناشطون المسلمون وغير المسلمين، من المستوى المحلي إلى المستوى الوطني، تحدث بانتظام.

لكن بعد عملية التطبيع، صدرت تصريحات غير مسبوقة من بعض علماء بانغسامورو تعتبر التعبئة من أجل فلسطين مؤامرة إيرانية. وزعموا أن حركة المقاومة الفلسطينية كانت حليفة لإيران، وبالتالي كانت منحرفة وأداة سياسية للسلطة الشيعية.

وعندما نفذت حماس هجومًا على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تعمق الصراع السردي. وردد بعض العلماء صدى وسائل الإعلام الغربية والروايات المؤيدة للصهيونية. لقد قدموا الهجوم على أنه حدث فردي وتجاهلوا القمع الذي تعرض له الفلسطينيون على مدى عقود من الزمن على يد النظام الاستعماري الإسرائيلي. أما المعسكر الآخر فقد دعم المقاومة الفلسطينية.

وعلى الرغم من أن العلماء المسلمين منخرطون في هذا الصدام بين الروايات، إلا أن هذا ليس مجرد نقاش لاهوتي، بل هو مظهر من مظاهر التشابك بين السياسة والدين.

في حقبة ما بعد الاستعمار، من الطبيعي أن تتشابك السياسة والدين بطرق مختلفة. ومع ذلك، في سياق بانجسامورو، حيث لا تزال السلطة المركزية هشة، يتم بشكل متزايد استيراد القوى الخارجية والأطر السياسية اللاهوتية المهيمنة من الدول العربية إلى الخطاب المحلي.

ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أن بعض العلماء، المتحالفين مع موقف مناهض لإيران، تلقوا تعليمهم في بعض دول الخليج. وتؤثر هذه الديناميكية على السياق المحلي، مما يعكس اتجاهاً نموذجياً حيث يقوم الطلاب الذين تدربوا في أنظمة تعليمية ذات ميول استبدادية بإعادة إنتاج أيديولوجيات تتماشى مع تلك الدولة عند عودتهم إلى بلدانهم الأصلية.

هذه الملحمة المستمرة لها عواقب داخلية كبيرة.

أولاً، إن التشابك بين الدين والسياسة كما يمارسه العلماء المسلمون الذين يتابعون أعداداً كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي يخلق افتراضاً غير مباشر بين أتباعهم بأن هؤلاء العلماء يتمتعون بسلطة موثوقة في مجال الجغرافيا السياسية، حتى لو لم يكن الأمر كذلك.

وهذا يتناقض مع المبدأ القرآني المتمثل في الاستعانة بأهل الرسالة “أهل الذكر”. ويشير المبدأ إلى الطبيعة التوزيعية للمعرفة: حيث لا يتمتع أي إنسان بالسلطة الوحيدة للمعرفة الشاملة.

ثانياً، أدى هذا الصدام إلى تعميق الاستقطاب بين العلماء المسلمين في منطقة تمر بمرحلة انتقالية هشة في مرحلة ما بعد الصراع. منذ السبعينيات، ناضل المسلمون في جنوب الفلبين وناضلوا من أجل تقرير المصير، وهم الآن يبحرون في وضع معقد يتطلب هوية قوية وموحدة. ويؤدي هذا الاستقطاب إلى إضعاف تشكيل هوية متماسكة في سياق سياسي هش بالفعل.

ثالثًا، يتخذ بعض العلماء وجهة نظر متطرفة تجاه الجانب الآخر، ويصفونهم بـ “المنحرفين”. وهذا النوع من التفكير قد يؤدي إلى التطرف.

ولمعالجة هذا الوضع، هناك العديد من الاعتبارات التي يجب القيام بها.

أولاً، يجب التعامل مع الاختلافات في المجال الخطابي على أسس أخلاقية، وليس من خلال انتقاد الآخرين الذين نختلف معهم لمجرد أنهم يختلفون عنك في الرأي السياسي. ومن الخطأ وصف شخص ما بأنه “منحرف” لأنه يحمل رأياً سياسياً مختلفاً.

ثانياً، عندما نتناول القضية الفلسطينية والحروب الأميركية الإسرائيلية في الشرق الأوسط، فمن المهم أن نتذكر خلفيتنا. تتمتع بانجسامورو بإرث تاريخي في محاربة أنظمة القمع والظلم. إن البقاء ملتزمين بإنسانيتنا يعني معارضة الظلم في أماكن أخرى من العالم.

ثالثاً، قد يؤدي الخطاب المثير للانقسام حول القضايا الخارجية إلى الإضرار بتماسك المجتمع والتفكير النقدي اللازم لمستقبل الوحدة وتقرير المصير.

لا ينبغي للمجتمعات المسلمة في بانغسامورو أن تقع فريسة للروايات المثيرة للخلاف وأن ترتكز معتقداتها على الإسلام وتاريخها وهويتها.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء المؤلف ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.