
“سوف نفعل ما فعلناه في غزة”.
هكذا وصف مسؤول إسرائيلي كبير الغزو البري الإسرائيلي للبنان. التهديد حقيقي. وتطبق في لبنان أساليب مماثلة لتلك المستخدمة في غزة: فقد أعقبت أوامر الإخلاء بعد ذلك بوقت قصير تدمير مباني سكنية بالكامل، ومقتل العشرات من المسعفين والمسعفين الأوائل، ونهب الجنود الإسرائيليين منازل المدنيين، وتدمير البنية الأساسية ــ بما في ذلك الجسور التي تربط الجنوب ببقية البلاد. وبعد مرور شهر، قُتل أكثر من 1200 شخص، بينهم أكثر من 120 طفلاً. وقد تم تهجير مليون شخص.
إذا استمرت العمليات الإسرائيلية في لبنان، فسوف يأتي الأسوأ. وكما هو الحال في غزة والضفة الغربية، هناك احتمال حقيقي بعدم إعادة الأراضي التي تحتلها القوات الإسرائيلية الآن في لبنان، بل سيتم تسويتها وضمها ببطء.
إن انتهاكات إسرائيل للقانون الدولي في غزة واضحة للغاية لدرجة أن الحلفاء السابقين والدول الغربية، وآخرها أيسلندا وهولندا، انضموا إلى قضية جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، زاعمين أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة. وحتى ألمانيا، الداعمة غير المشروطة تقريباً لإسرائيل، قررت أنها لا تستطيع الدفاع عن البلاد في محكمة العدل الدولية. وفي الشهر الماضي، سحبت رسميا دعمها للجانب الإسرائيلي في القضية.
ولكن ماذا سيقول القانون الدولي بشأن أعمال العنف والفظائع التي تُرتكب ضد الشعب اللبناني؟ سوف تعتمد الإجابة إلى حد كبير على ما إذا كان لبنان سيقرر أخيراً، كما فعلت فلسطين، الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية.
إننا نعرف الكثير عن الفظائع المرتكبة ضد المدنيين في غزة بسبب مدى أهمية القانون الجنائي الدولي في محنة الفلسطينيين. سعت فلسطين إلى المساءلة عن سلسلة من الجرائم الدولية ــ جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية ــ منذ أن أصبحت عضوا في المحكمة الجنائية الدولية في عام 2015. ورغم أن هذا لم يسفر بعد عن أي محاكمات، فقد أصدرت أوامر اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة.
ولا يوجد تركيز مماثل في لبنان. وفي حين أعربت الدول عن دعم متواضع للبنان رداً على العدوان الإسرائيلي، فإن المساءلة عن الفظائع لم تكن في مقدمة ومركز تغطية العمليات الإسرائيلية في لبنان. أحد الأسباب هو أن السلطات اللبنانية لم تستنفد السبل المتاحة بموجب القانون الدولي لمعالجة الفظائع التي يواجهها مواطنوها – بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية.
وفي نيسان/أبريل 2024، كاد لبنان أن يمنح المحكمة ولاية قضائية على البلاد. وكلف مجلس الوزراء وزير الخارجية بالإعلان عن أن المحكمة الجنائية الدولية يمكن أن تمارس اختصاصها القضائي اعتبارا من 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وجاءت هذه الخطوة في أعقاب قتل إسرائيل للصحفي عصام عبد الله والتقارير التي تناولت بالتفصيل استخدام إسرائيل للفسفور الأبيض ضد المدنيين – وهي جريمة حرب.
ورغم أن إسرائيل ليست عضواً في المحكمة الجنائية الدولية، فإن انضمام لبنان إلى المحكمة من شأنه أن يمنح المحكمة الجنائية الدولية ولاية قضائية على الفظائع الإسرائيلية التي ترتكب على الأراضي اللبنانية، فضلاً عن تلك التي يرتكبها أي مواطن لبناني، بما في ذلك حزب الله.
وفي مايو/أيار 2024، تراجعت الحكومة اللبنانية عن قرارها. ولم يتم تقديم أي سبب، لكن وزير الخارجية لم يصدر أبدًا إعلانًا بقبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.
الآن هو الوقت المناسب للبنان لعكس مساره والانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية أو على الأقل قبول ولايتها القضائية. هناك أسباب عديدة لذلك.
يمكن للمحكمة الجنائية الدولية أن تقدم قدراً ضئيلاً من المساءلة عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في لبنان. والمحكمة هي الهيئة الدولية الوحيدة القادرة على محاكمة المسؤولين عن مثل هذه الانتهاكات. ومن خلال قبول الولاية القضائية والتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، يمكن لبيروت أن تساعد في بناء قضايا ضد أي جناة من إسرائيل وحزب الله. وهذا لا يعني أنه سيتم محاكمتهم في المحكمة الجنائية الدولية في أي وقت قريب. لكنه سيشير إلى أن لبنان يقف إلى جانب المساءلة وعلى استعداد للعمل مع المنظمات الدولية لإدانة أي فظائع مزعومة ترتكب ضد المدنيين.
كما أنه سيوفر للمواطنين اللبنانيين منتدى دوليًا مستقلًا ومحايدًا لتركيز جهود المساءلة عليه وإرسال الأدلة والعمل معهم لتحقيق العدالة. وإذا سنحت الفرصة لمحاكمة الجناة، فسيكون لبنان قد قدم مساهمة لا تمحى.
إن الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية قد يساعد لبنان أيضاً في معالجة الغزوات الإسرائيلية المتكررة لأراضيه. ووفقاً لخبراء الأمم المتحدة فإن الهجمات الإسرائيلية “قد ترقى إلى مستوى العدوان غير المسؤول”، وهو ليس محظوراً بموجب القانون الدولي فحسب، بل ويمكن أن يشكل أيضاً جريمة دولية.
ورغم أن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية فيما يتعلق بجريمة العدوان (جريمة ارتكاب حرب غير قانونية) عاجز إلى حد ما، فإن تأطير الهجمات الإسرائيلية ليس فقط باعتبارها انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة، بل باعتبارها جريمة أيضاً، أمر مهم، بل وربما يكون له بعض التأثير الرادع. في الواقع، قد يساعد هذا الإطار لبنان والدول الأخرى على إيجاد طريقة للدفاع بشكل أفضل عن سلامة أراضيها ضد العدوان الأمريكي والإسرائيلي.
وعلى نحو متصل، فإن الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية قد يسهل على لبنان الدفاع عن قضيته أمام الدول في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الدول الـ 125 التي هي أعضاء بالفعل في المحكمة. وعلى الرغم من أن هذه الدول لم تدعم المحكمة الجنائية الدولية بشكل ثابت دائمًا، فقد دعمت المحكمة الجنائية الدولية مرارًا وتكرارًا، بما في ذلك ما يتعلق بفلسطين. حتى أنهم منعوا نتنياهو من السفر إلى أراضيهم أو عبرها. إن الحصول على عضوية المحكمة من شأنه أن يمنح لبنان قدراً أكبر من الوصول إلى المجالات الدبلوماسية المهمة حيث يمكن الدفاع عن مصالحه ــ ومصالح مواطنيه ــ.
وربما في المقام الأول من كل شيء، فإن إلزام لبنان باختصاص المحكمة الجنائية الدولية من شأنه أن يمثل وسيلة لفصل لبنان عن تلك الدول ــ مثل إسرائيل والولايات المتحدة ــ التي لن تلتزم بالقانون الدولي. ربما يكون “النظام القائم على القواعد” قد مات، لكن القانون الدولي لم يكن أكثر أهمية من أي وقت مضى بالنسبة للدول التي تتعرض سيادتها وشعوبها للتهديد. إن انضمام لبنان إلى المحكمة الجنائية الدولية من شأنه أن يُظهر أن البلاد ليس لديها ما تخشاه من المحكمة وأنها ستكسب كل شيء من المساعدة في التحقيق مع مرتكبي الفظائع الذين يلحقون الأذى بمواطنيها.
مؤخرا، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريس: “إن ما حدث في غزة يشكل كارثة يجب تجنبها في أي مكان آخر في العالم”. والمحكمة الجنائية الدولية ليست علاجاً سحرياً؛ بل إنها ليست حلاً سحرياً. ولا يمكنها حل الحروب أو تحقيق السلام. ولكنها قد تجلب زخماً للمساءلة في وقت حيث أدى غيابها إلى زيادة جرأة إسرائيل والولايات المتحدة. ومن مصلحة بيروت ـ ومصلحة الإنسانية ـ أن ينضم لبنان إلى المحكمة.
***********************
نشرت نسخة من هذا المقال في الأصل لقناة الجزيرة






