Home العربية نزاع الصحراء: بداية النهاية

نزاع الصحراء: بداية النهاية

34
0

نصف قرن مضى على اتفاق مدريد عام 1975، وعادت المدينة ذاتها إلى صدارة المشهد الاستيطاني في فبراير/شباط 2026، عندما استضافت سفارة الولايات المتحدة في العاصمة الإسبانية ندوة اجتماع رباعي يجمع المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو وموريتانيا. ولا تكمن المفارقة في تكرار الجغرافيا فحسب، بل في أن المدينة التي شهدت ولادة النزاع قد تكون الآن بمثابة المسرح لإغلاق فصله.

ومع ذلك فإن التسرع في تفسير اللحظة على أنها نهاية التاريخ تخفي أكثر مما تكشف. إن العملية الحالية ليست تتويجاً لإجماع ناضج بقدر ما هي إعادة هندسة قواعد اللعبة. ويتطلب هذا الانتقال إلى ما هو أبعد من القراءة التاريخية للأحداث المتعاقبة ــ من مدريد إلى واشنطن إلى باريس هجوم السمارة – نحو تفريغ الهياكل الأعمق التي تعمل تحت السطح.

ما الذي تغير فعلا؟

إن التحول البنيوي الناتج عن قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2797، والذي تم تبنيه في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، لا يكمن في محتواه الحرفي فحسب، بل في الخيارات التي أزالها فعلياً من قائمة حل النزاع.

فعندما يصف القرار مبادرة المغرب للحكم الذاتي بأنها “أساس” للتفاوض، ويعتبر أن “الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمكن أن يشكل الحل الأكثر جدوى”، فإنه يغلق فعليا الباب أمام الاستفتاء الذي كان، منذ عام 1991، بمثابة المرجع التأسيسي لجمهورية الكونغو الديمقراطية. مهمة المينورسو

ولعل المفارقة الأكثر إثارة للانتباه هي أن مهمة “الاستفتاء” تستمر في العمل في حين يتم سحب الاستفتاء نفسه من أساسه المفاهيمي.

والحقيقة أن هذا التوجه الجديد لا يشكل قطيعة كاملة مع الإطار التقليدي للأمم المتحدة. وحافظ القرار على مبدأ تقرير المصير مع التأكيد على تعدد أشكاله. ولم يعد تقرير المصير يعني بالضرورة إجراء استفتاء يتضمن خيار الاستقلال؛ بل يمكن بدلاً من ذلك أن يتحقق من خلال حكم ذاتي حقيقي تحت السيادة المغربية

وهنا تكمن المعركة الدلالية الحقيقية: هل الحكم الذاتي هو تعبير مشروع عن تقرير المصير، كما تصر الرباط وواشنطن، أم أنه تحايل عليه، كما تؤكد الجزائر وجبهة البوليساريو؟

إن اللحظة الراهنة، بما تحمله من دعم إقليمي ودولي للموقف المغربي، لم تنبثق عن مبادرة دبلوماسية واحدة. بل تبلورت من خلال تقارب التحولات الهيكلية المتعددة

أولا، عادت إدارة ترامب بنهج تقاطعت فيه المصالح الأمنية والاقتصادية والجيواستراتيجية مع الموقف المغربي، في وقت وصل فيه الإجماع الغربي غير المسبوق إلى كتلة حرجة، مع اصطفاف إسبانيا وفرنسا والمملكة المتحدة إلى جانب الموقف الأمريكي المعلن منذ عام 2020.

في موازاة ذلك، تواجه الجزائر – التي اعتمدت تاريخيا على روسيا والصين – تحديا التآكل الهيكلي لوضعها الدبلوماسي. وقد تجلى ذلك بشكل أساسي في عدم قدرتها على عرقلة القرار رقم 2797. وامتنعت موسكو وبكين عن التصويت بدلاً من اللجوء إلى حق النقض، مما يكشف كيف تجاوزت تكلفة عرقلة العملية التي تقودها الولايات المتحدة عتبة العائدات المتوقعة لكل منهما.

وعلى نطاق أوسع، تراجع السرد الانفصالي في جميع أنحاء الجنوب العالمي. وأعربت أكثر من 120 دولة دعم للمبادرة المغربية كأساس للحل، في حين سحبت العديد من الدول اعترافها بما يسمى بالجمهورية الصحراوية، وافتتحت أكثر من ثلاثين قنصلية في العيون والداخلة. في هذه الأثناء، يتجه الكونجرس الأمريكي بشكل متزايد نحو تصنيف جبهة البوليساريو كمنظمة إرهابية، وبالتالي إعادة تشكيل خريطة الشرعية.

ولا ينبغي لنا أن ننظر إلى تقارب كل هذه العوامل في وقت واحد باعتباره مصادفة، بل باعتباره ما تسميه أدبيات العلاقات الدولية “نافذة الفرصة”: أو تكوين نادر من الظروف التي قد لا تتكرر إذا أهدرت.

من إدارة الصراع إلى هندسة المستوطنات

ولا يكمن التحول الأعمق في تغير ميزان القوى وحده، بل في الفلسفة التي تحكم التعامل الدولي مع النزاع. لعقود من الزمن، كان المنطق السائد هو منطق “إدارة الصراع”. وهذا يعني أن النظام الدولي كان يسعى في الأساس إلى تجميد الوضع، واحتواء تداعياته، وتجنب التصعيد، وتجديد تفويض بعثة المينورسو سنويا من دون أي أفق سياسي حقيقي. وكان الافتراض الضمني هو أن النزاع غير قابل للحل، وأن الإستراتيجية الأقل تكلفة تكمن في إبقائه خاملاً.

ما تقترحه إدارة ترامب الآن، مع دعم أوروبي شبه كاملوهذا منطق مختلف يمكن وصفه بهندسة المستوطنات. ويعني هذا التحول ضمناً التعامل مع النزاع باعتباره معادلة قابلة للحل، شريطة معايرة الحوافز والضغوط والتوقيت بمهارة.

هناك تطورات عديدة تفسر هذا التحول، من الإصرار على خارطة طريق ذات مواعيد نهائية محددة، إلى جدولة اجتماعات متتالية ضمن إطار زمني قصير، إلى الضغط من أجل التوصل إلى اتفاق إطاري قبل الصيف المقبل، إلى جانب جمع كافة الأطراف حول طاولة المفاوضات نفسها. إننا لا نشهد دبلوماسية تقليدية، بل هندسة تفاوضية مكثفة.

أربع معضلات هيكلية

ومع ذلك، فإن هذه الهندسة الدبلوماسية، مهما كانت دقيقة، تصطدم بمعضلات لا يمكن حلها من خلال التقنية وحدها.

أولى هذه المعضلات تتعلق بالجزائر التي أسست جزءا من شرعيتها على عداء بنيوي مع المغرب أصبح خلال العقود الماضية مصدرا للعداء. الركيزة الأيديولوجية للدولة الجزائرية. وبالتالي فإن أي تراجع عن دعم جبهة البوليساريو سوف يتطلب إعادة تعريف الشرعية الداخلية للنظام، وهي عملية مكلفة سياسياً وقد يجد النظام صعوبة في استيعابها دون انقطاع.

والمفارقة التاريخية هنا هي أن هذا “العداء البنيوي” لم يكن قدراً محتوماً. في سبتمبر 1970، التقى الملك الحسن الثاني والرئيس هواري بومدين والرئيس الموريتاني المختار ولد داداه في نواذيبو واتفقوا على التنسيق المغاربي فيما يتعلق بمستقبل الصحراء. وكانت الجزائر آنذاك تنظر إلى القضية على أنها مسألة تصفية استعمار تخص المنطقة برمتها، وليس ساحة معركة مع جار شقيق.

إن ما حدث بعد عام 1975 لم يكن كشفا عن عداء كامن، بل كان بناء سياسيا واعيا أعاد تشكيل العقيدة الجزائرية تجاه المغرب، وحوّل الخلاف الظرفي إلى مكون ثابت من مكونات الهوية. وهنا تكمن صعوبة التفكيك: فما تم بناؤه على مدى نصف قرن من التعبئة الإعلامية والمؤسساتية والدبلوماسية لا يمكن التراجع عنه بجلسة تفاوض في فندق في مدريد أو واشنطن.

ولهذا السبب، عادت الجزائر إلى طاولة المفاوضات لأول مرة منذ انتهاء محادثات جنيف عام 2019، لكنها ترفض التقاط الصورة الجماعية وتخرج من الغرفة من الباب الخلفي. ويشير هذا إلى أن مشاركتها لا تمثل مشاركة حقيقية في عملية التسوية، بل هي استجابة مقيدة لحسابات داخلية، بما في ذلك الخوف من العقوبات المحتملة، أو من التصعيد. البوليساريو مصنفة كمنظمة إرهابية.

وتتعلق المعضلة الثانية بجبهة البوليساريو نفسها، التي ترتبط شرعيتها -داخليا وداخل مخيمات تندوف- بشعار الاستقلال. إن قبول الحكم الذاتي، حتى في شكله الموسع، من شأنه أن ينفي عملياً التبرير الوجودي لخمسة عقود من الصراع. فالمسألة لا يمكن اختزالها في موقف تفاوضي؛ ويمتد إلى أزمة الشرعية.

ومن هذا المنطلق، فإن المقذوفات التي استهدفت مدينة السمارة، يوم 5 ماي، لا تبدو انحرافا عن المسار، بل مؤشرا كاشفا لهذا التناقض. نحن أمام قيادة تتفاوض على ما يجردها من سبب وجودها، وبالتالي تحاول رفع تكلفتها التفاوضية من خلال عمليات ميدانية معادية.

قد يبدو قبول الحكم الذاتي الموسع بمثابة هزيمة سياسية لجبهة البوليساريو، لكن رفضه قد يؤدي إلى التهميش الكامل. ويبدو أن وثيقة المغرب الجديدة ـ التي تتكون من أربعين صفحة بدلاً من ثلاث ـ مصممة لتقديم خروج كريم يصعب رفضه بدون تكلفة.

أما المعضلة الثالثة فتتعلق بالمغرب، وقد تبدو غير بديهية. إن النصر الكامل لا يخلو من المخاطر، ذلك أن أي تسوية تُفرض بالكامل على أطراف أخرى من موقع قوة قد تكون نهائية من الناحية القانونية ولكنها هشة من الناحية السياسية.

تاريخياً، تتطلب التسويات المستدامة أن يحتفظ كل طرف بشيء يحفظ كرامته ويسمح بتبرير التنازلات أمام الجماهير المحلية. إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الدبلوماسية المغربية لا يتمثل في تعظيم المكاسب، بل في تصميم اتفاق يستطيع الخصم تسويقه محليا باعتباره إنجازا وليس هزيمة.

أما المعضلة الرابعة فتتعلق بالأمم المتحدة. يكرّس القرار 2797 إطار الأمم المتحدة شكلياً، إلا أن القيادة التنفيذية للعملية انتقلت إلى واشنطن، من خلال كبير المستشارين مسعد بولس وسفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايكل والتز. وتنظر إدارة ترامب الحالية إلى الخلاف على أنه فرصة لإضافة إنجاز دبلوماسي إلى سجلها، وهو ما يفسر تسارع وتيرته.

وبينما يعمل هذا الزخم المتنامي على تسريع البحث عن الحل، فإنه يطرح أيضاً سؤال الاستدامة: ماذا لو تغيرت الإدارة الأميركية قبل اكتمال عملية الحل؟ فهل تتمكن التسوية التي صممتها واشنطن من الصمود في وجه التحولات التي تشهدها السياسة الداخلية الأميركية؟

سيناريوهات مفتوحة

إن استشراف المستقبل يتطلب بالضرورة تجاوز ثنائية التفاؤل والتشاؤم، نحو رسم السيناريوهات بما لها من دلالات عملية.

والسيناريو الأكثر ترجيحاً في المستقبل المنظور هو التوصل إلى اتفاق إطاري على أساس مقترح الحكم الذاتي، يليه التنفيذ التدريجي. ومن شأن مثل هذا الاتفاق، الذي من المحتمل أن يتم التوصل إليه قبل الصيف المقبل، أن يضع مبادئ وجداول زمنية، تليها لجان فنية تعمل على التفاصيل لعدة أشهر، وربما سنوات. وميزته تكمن في تجنب الانهيار مع الحفاظ على الكرامة لجميع الأطراف. لكن عيبه هو أنه يمكن أن يحول التسوية إلى عملية إجرائية لا نهاية لها.

أما السيناريو الثاني فهو تسوية رمزية من دون تنفيذ فعلي، اتفاق موقع لاعتبارات دبلوماسية، لكن تطبيقه يتعثر أمام تعقيدات الميدان.

ويؤدي السيناريو الثالث إلى تجدد الجمود، وخاصة إذا فشلت الأطراف في صياغة اتفاق إطاري مقبول للطرفين وسط تعنت جبهة البوليساريو، خاصة وأن الفجوة الأساسية ــ الاستفتاء مع خيار الاستقلال مقابل الحكم الذاتي الحصري ــ لم يتم سدها بعد.

لكن خارطة الطريق 2026 لن تعكس على الأرجح ما سبقها، خاصة في ظل تعزيز المغرب لمكاسبه، وتعمق عزلة جبهة البوليساريو، والتحول النوعي في موقف الجزائر. وحتى المأزق الجديد، في حال حدوثه، لن يكرر المأزق القديم.

السيناريو الرابع هو العودة إلى التوتر العسكري على غرار ما حدث في الكركرات في 2020. ويظل هذا هو الأقل احتمالا، نظرا لتكاليفه الدولية الباهظة، وفي المقام الأول تصنيفه الإرهابي الوشيك. ومع ذلك، يظل من المتصور أن تختار جبهة البوليساريو، في مواجهة معضلتها الوجودية، جر النزاع من “هندسة الاستيطان” إلى “إدارة الأزمات”. وهذا هو الخيار الذي ألمحت إليه جبهة البوليساريو في ردها على القرار 2797، والذي بدا أن المقذوفات التي ضربت السمارة تجسده.

التحدي المنسي: ماذا بعد التسوية

ويقتصر النقاش العام على مسألة كيفية التوصل إلى اتفاق، في حين يكمن التحدي الأعمق في ما سيأتي بعد ذلك. وحتى لو نجحت التسوية فإنها ستفتح ملفات لم تعالج بعد بالجدية الكافية. وحتى لو طوت الصفحة السياسية فهل ستطوي معها الصفحة المجتمعية؟

لقد أنتج نصف قرن من الصراع هويات متباينة في قلب الفضاء والهوية الصحراوية – بين الصحراويين المندمجين في النسيج الوطني المغربي، وأولئك الذين يعيشون في المخيمات، والذين شكلتهم ثقافة المقاومة والعداء.

كيف سيتم إعادة بناء العلاقات المغربية الجزائرية بعد عقود من العداء الهيكلي؟ ماذا سيحدث لساكنة مخيمات تندوف الذين ورثوا أجيالا من العداء وعدم الاستقرار؟ ما هو الشكل الملموس الذي سيتخذه الحكم الذاتي؟ فهل تتحول إلى ترتيب دستوري ومؤسسي حقيقي، أم مجرد الحد الأدنى المقبول لدى المجتمع الدولي؟ كيف ستتم إدارة التوترات الاقتصادية والاجتماعية في المناطق التي شهدت تحولات ديمغرافية متسارعة منذ عام 1975؟ كيف سيتم إعادة صياغة الموقع الجيوستراتيجي للمغرب بمجرد تسوية هذا النزاع، خاصة في أفريقيا ومنطقة الساحل؟

هذه ليست تفاصيل فنية، بل أسئلة جوهرية ستحدد ما إذا كانت التسوية ستؤدي إلى سلام مستدام أم مجرد وقف الصراع.

على طبيعة اللحظة

إن الاحتفال بنهاية تاريخية للنزاع، والتشاؤم المعياري المتجذر في فشل خرائط الطريق السابقة ــ خطة بيكر، واتفاق هيوستن، وخريطة طريق كولر ــ يخطئ الهدف.

إن اللحظة الراهنة مختلفة بنيوياً، ليس لأن الإرادة الدولية أقوى، بل لأن تركيبة العوامل الموضوعية متميزة بشكل أساسي. لكن هندسة الاستيطان، مهما صقلتها، تظل غير قادرة على حل التناقضات البنيوية بقرار واحد.

وما من المرجح أن تشهده الأشهر المقبلة ليس النهاية، بل بداية النهاية. تتشكل من عملية تسوية تدريجية تتقدم وتتعثر، وتنجح في بعض المحاور وتتأخر في أخرى، وقد تسفر عن اتفاق غير مكتمل ينقل النزاع رغم ذلك من فئة «نزاع مفتوح» إلى فئة «تسوية قيد التنفيذ». وهذا، إذا تحقق، يشكل تحولاً تاريخياً في حد ذاته.

ومع ذلك، فإن تحويل هذا الإطار إلى تسوية مستدامة يتطلب شيئاً يتجاوز توازن القوى اللحظي؛ فهو يتطلب الاعتراف المتبادل بشرعية مخاوف الطرف الآخر ــ وهو ما لم يحدث بعد.

والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم لم يعد ما إذا كان هذا النزاع سوف يُحل، بل ما هو شكل الحل الذي نبنيه، وبأي تكلفة، وعلى أي أفق من الاستدامة؟

إن الإجابة على هذا السؤال تتطلب الاهتمام الدقيق بما يحدث بعيدا عن الأضواء، خاصة في أروقة اللجنة الفنية الدائمة، وفي المحادثات الجانبية بين الرباط وواشنطن، وفي الديناميات الداخلية للنظام الجزائري، وفي مخيمات تندوف، حيث تتكشف التحولات النفسية والسياسية وراء عناوين الأخبار.

إن نصف قرن من الركود لا ينتهي باتخاذ قرار، بل بعملية. وقد بدأت هذه العملية بالفعل بالفعل.