Home العربية المغرب وفرنسا يطلقان مشروع الربط الكهربائي عبر البحر الأبيض المتوسط

المغرب وفرنسا يطلقان مشروع الربط الكهربائي عبر البحر الأبيض المتوسط

18
0

مراكش – أعلن الوزير الأول الفرنسي سيباستيان ليكورنو عن إطلاق الاهتمام بالربط الكهربائي المباشر بين المغرب وفرنسا خلال الاجتماع الرفيع المستوى الخامس عشر (HLN) بالرباط يوم الخميس.

المشروع، الذي أطلق عليه اسم “جسر البحر الأبيض المتوسط”، سينقل الكهرباء الخضراء المنتجة في شمال المغرب مباشرة إلى الأسواق الفرنسية والأوروبية.

وتتصور المبادرة مد كابل تحت البحر عالي الجهد يمتد من الناظور إلى مرسيليا، متجاوزا شبه الجزيرة الأيبيرية بالكامل. ويمثل هذا المسار خروجًا عن المنطق التاريخي لشبكات الكهرباء الأوروبية، حيث كانت إسبانيا بمثابة نقطة عبور طبيعية لطاقة شمال إفريقيا المتدفقة إلى القارة.

وأشار ليكورنو إلى الترابط بين “مشاريع ربط الطاقة الكبرى بين أوروبا وشمال إفريقيا”، واضعًا إياها كواحدة من المشاريع الاقتصادية الأكثر طموحًا بين البلدين.

وأشار إلى أن الاستثمارات تخلق “تآزرا جديدا بين شركاتنا” بينما تعمل على “مواصلة دمج المغرب وفرنسا في نفس سلاسل القيمة”. ويتناسب المشروع، في رأيه، مع دفعة أوسع نطاقا “لتنظيم المستقبل” من خلال بنية تحتية واسعة النطاق بدلا من التبادلات التجارية التقليدية وحدها.

من الكابل البريطاني الفاشل إلى المحور الفرنسي

كان المشروع بالفعل موضوع تحليل عام مفصل قبل أشهر من إعلان ليكورنو الرسمي. وفي فبراير/شباط، نشرت شركة الطاقة الفرنسية سيليكترا تحليلاً شاملاً للمبادرة تحت اسم قنطرة ميد، متتبعة أصولها إلى انهيار خطة أكثر طموحًا بكثير.

وكانت شركة إكسلينكس البريطانية قد اقترحت في البداية كابلا بطول 3800 كيلومتر يربط المغرب بالمملكة المتحدة بتكلفة تقدر بـ 29 مليار يورو. انسحبت حكومة المملكة المتحدة بقيادة كير ستارمر في نهاية المطاف، واختارت إعطاء الأولوية لقدرة الطاقة المحلية.

وبدلاً من التخلي عن هذا المفهوم، ركزت شركة Xlinks نحو فرنسا، حيث أنشأت شركة فرعية تسمى Elemental Power على الأراضي الفرنسية في عام 2024 لإدارة الأعمال الأساسية الإدارية والفنية لربط الناظور-مارسيليا.

وقد وضع تحليل سيليكترا مرسيليا باعتبارها “نقطة الدخول الرئيسية للطاقة الخضراء الأفريقية إلى أوروبا الغربية”. ولن تعمل المدينة كميناء تجاري فحسب، بل كعقدة استراتيجية في شبكة الكهرباء في جنوب فرنسا، “قادرة على استيعاب عدة جيجاواط” من دون المرور عبر شبه الجزيرة الأيبيرية.

وأشارت الدراسة إلى أن المسار المقترح “يخالف المنطق التاريخي لشبكات الكهرباء الأوروبية”، مضيفة أن الخيار تحت سطح البحر “يحرر المشروع من القيود الجغرافية والسياسية لجبال البيرينيه”.

بالنسبة للمغرب، سيعزز المشروع طموح البلاد في أن تصبح منصة إقليمية للطاقة. وقد منحت الاستثمارات في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح البلاد تكاليف إنتاج متجددة تتحدى المنافسة الأوروبية، على حد تعبير سيليكترا. ووصف التحليل المغرب بأنه “لم يعد شريكا تجاريا بسيطا، بل أصبح لاعبا رئيسيا جديدا في إزالة الكربون في أوروبا”.

وبالنسبة لفرنسا، فإن الارتباط المباشر من شأنه أن يقلل الاعتماد على سياسات التسعير وقيود البنية التحتية لجارتها الأسبانية ــ وهي الخطوة التي صاغتها الدراسة باعتبارها انعكاسا لنية باريس “التحكم المباشر في صمامات” إمدادات الطاقة في المستقبل.

وفي مدريد، من المرجح أن يثير هذا الإعلان المخاوف. لقد سعت أسبانيا منذ فترة طويلة إلى فرض خطوط أقوى عبر الحدود مع فرنسا لتصدير فوائضها من الطاقة المتجددة ــ وهو الصراع المرتبط بما يصفه المحللون بوضع “جزيرة الطاقة” في أسبانيا. والواقع أن القرار الذي اتخذته فرنسا بإعطاء الأولوية للربط المباشر مع المغرب يضيف الضغوط على هذا الموقف.

شراكة “متغيرة الحجم”

الأساس الفني جار بالفعل. وفي أبريل/نيسان، أجرت وزيرة التحول في مجال الطاقة المغربية ليلى بن علي محادثات مع جيرار ميستراليت، المبعوث الخاص للرئيس إيمانويل ماكرون، وكزافييه بيتشاتشيك، رئيس شركة تشغيل الشبكة الوطنية الفرنسية RTE.

وشدد المشاركون حينها على ضرورة “التعاون الوثيق والتنسيق الدائم” لتسريع تنفيذ المشروع.

وكان مشروع الربط جزءا من عدة اتفاقيات تم التوقيع عليها خلال شبكة HLN التي ترأسها لوكورنو مع رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش.

وكانت هذه هي الجلسة الأولى من نوعها منذ عام 2019 وأول رحلة خارجية يقوم بها ليكورنو منذ توليه منصبه. ورافقه وفد من 12 وزيرا فرنسيا – بما في ذلك المشرفون على الشؤون الخارجية والداخلية والاقتصاد.

ووصف ليكورنو متابعة الالتزامات التي تم التعهد بها خلال زيارة الدولة التي قام بها ماكرون في أكتوبر 2024 بأنها “إيجابية بشكل استثنائي” في قطاعات الصناعة والطاقة والأمن والدفاع والثقافة والتعليم والزراعة. وإلى جانب الربط الكهربائي، غطت الاتفاقيات الموقعة التعاون في مجالات السكك الحديدية والنقل البحري والبنية التحتية للطرق والبحث والثقافة والابتكار.

كما أكد رئيس الوزراء الفرنسي أن البلدين يعكفان على إعداد معاهدة ثنائية ــ “أول معاهدة توقعها فرنسا مع دولة خارج الاتحاد الأوروبي”. وسوف تقوم لجنة مشتركة تتألف من شخصيات مؤهلة من الجانبين بصياغة النص، الذي يهدف إلى توفير “إطار فريد ومستقر وطموح يتكيف مع تحديات العقود المقبلة”.

وعلى الصعيد الاستراتيجي الأوسع، أشار ليكورنو إلى دور المغرب في السلام والأمن في منطقة الساحل وعبر إفريقيا. ووصف الشراكة الفرنسية المغربية بأنها “يجب أن تتغير الآن”، مشيراً إلى الظروف السياسية اللازمة لبناء علاقة أكثر استدامة.

وقد قدم تحليل سيليكترا فكرة أوسع نطاقاً عن أهمية المشروع: إن طاقة الغد “لن تتبع بالضرورة أقصر الطرق، بل تلك التي تضمن أكبر قدر من الاستقلال الجيوسياسي”.

وغادر ليكورنو المغرب مساء الخميس. وكان أخنوش في وداعه بمطار الرباط سلا، حيث استعرض الوزير الأول الفرنسي مفرزة من القوات الجوية الملكية قبل مغادرته.