إن كتابة تاريخ فلسطين تطرح سؤالاً تاريخياً أساسياً: كيف يمكن إنتاج رواية تاريخية في مواجهة النفي والتشتت والدمار؟ منذ مارك بلوخ، لم يعد التاريخ يُفهم ببساطة على أنه إعادة سرد لأحداث ماضية، بل باعتباره بحثًا في المجتمعات البشرية بناءً على آثار مجزأة، والتي تقع دائمًا ويتم الحفاظ عليها بشكل غير متساوٍ. وفي حالة فلسطين، يتخذ هذا شكلاً خاصًا: فقد تم تشتيت الأرشيف أو مصادرته أو تدميره، وأصبح الوصول إلى الماضي نفسه مرتبطًا بالسلطة.
لقد تم تهميش تاريخ فلسطين وشعبها منذ فترة طويلة من قبل الرواية الإسرائيلية السائدة. وعلى الرغم من غيابه أو تجزئته أو إبعاده إلى هوامش “الصراع الإسرائيلي الفلسطيني”، إلا أن هذا التاريخ استمر في الكتابة في الأوساط العلمية العربية، وفي وقت لاحق، في الشبكات العابرة للحدود الوطنية. لقد صيغ التاريخ الفلسطيني من خلال القطيعة: تمزق الطرد والنفي واختفاء العالم الاجتماعي.
منذ النكبة، ارتبطت كتابة التاريخ الفلسطيني ارتباطًا وثيقًا بالنضال ضد المحو. لا يقتصر التأريخ الفلسطيني على إعادة بناء الماضي الوطني: فهو يبحث في الظروف ذاتها التي تجعل السرد التاريخي ممكنًا. كيف تحكي قصة مجتمع مشتت؟ كيف تكتب التاريخ عندما يتم تدمير مواقع الذاكرة، ونهبت المكتبات، وأصبح من الصعب الوصول إلى الأرشيف؟
إن تتبع تطور التأريخ الفلسطيني هو تحليل كيفية استجابة أنظمة المعرفة المتعاقبة لهذا التحدي المستمر، منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية وحتى يومنا هذا. تتناول هذه المقالة أولاً بناء الرواية الوطنية في فلسطين الانتدابية وفي المنفى، ثم تبحث في دور الأرشيف في نشوء المجال التاريخي الفلسطيني. ويهدف إلى توضيح كيف أن كتابة التاريخ والحفاظ على المحفوظات، في مواجهة ديناميكيات المحو، هي ممارسات علمية وناشطة ووجودية في نفس الوقت.
جندي إسرائيلي في القدس الشرقية المحررة حديثًا، يحطم اللافتة العربية التي تحمل اسم “حائط المبكى” باسم “حصان محمد البراق”، يونيو 1967. المصدر: ويكيميديا كومنز
الأمة العربية الفلسطينية والثورة العربية عام 1936
وضع المؤرخون الفلسطينيون الأوائل التاريخ الفلسطيني ضمن أفق أوسع شكله تفكك الإمبراطورية العثمانية، وصعود القوميات العربية، وتأسيس الانتداب البريطاني على فلسطين. لم يكن هذا التأطير الأوسع مجرد مسألة أيديولوجية. في تلك اللحظة التاريخية، تمت إعادة تشكيل فئات الانتماء. بدأ مصطلح “الفلسطيني” في الظهور ببطء كمعرف مميز، دون استبدال المصطلحين “العثماني” أو “العربي” على الفور. كان تأكيد الهوية العربية لفلسطين مرتبطًا بجهود التسمية والسرد، حيث ساعدت الإشارة إلى الذات على أنها “فلسطينية” على بناء ذات جماعية.
وكمساحة لإنتاج ونشر هذه الفئات الجديدة من الهوية، لعبت الصحافة دورًا مركزيًا في هذه العملية. وقد أدى ظهور الصحف العربية في أوائل القرن العشرين إلى تعزيز استخدام مصطلح “الفلسطيني”، الذي أصبح تدريجياً أداة للتماسك، يتم حشدها في المناقشات المتعلقة بالصهيونية والهجرة والتغيير الاجتماعي. كان التأكيد على الهوية العربية للأرض والنضال ضد إنكار هذا الادعاء من قبل سلطات الانتداب والحركة الصهيونية جزءًا من رواية تاريخية ذات بعد أدائي قوي: لم يكن الهدف إعادة سرد التاريخ فحسب، بل تهيئة الظروف للهوية الجماعية. وقد سعى هذا السرد، الذي تقدمت به النخب الفكرية ولكن تم نشره في نطاق عام أوسع، إلى إلهام شعور بالوحدة داخل مجتمع عربي محدد سياسيا يتجاوز الانقسامات الدينية. لقد ساهمت في تثبيت معالم الهوية الفلسطينية الناشئة، دون إصلاحها بالكامل.
كانت الثورة العربية في 1936-1939 لحظة فاصلة، تم تحديدها على نطاق واسع في التأريخ العربي باعتبارها لحظة تأسيسية للقومية الفلسطينية، وكانت إحدى الانتفاضات الرئيسية المناهضة للاستعمار ضد الإمبراطورية البريطانية في فترة ما بين الحربين، وشكلت جزءًا من ديناميكية إقليمية أوسع لمعارضة النظام الاستعماري، بينما كشفت أيضًا عن السمات المميزة للحالة الفلسطينية، ولهذا السبب، تحتل الثورة العربية مكانًا مركزيًا في بناء الرواية الوطنية الفلسطينية.
كتابات تلك الفترة مشبعة ببعد سياسي قوي يسعى إلى تعزيز الشعور بالوحدة داخل المجتمع العربي – المسيحي والمسلم على حد سواء – في مواجهة الهيمنة الأجنبية. تم إنتاج هذا التأريخ، الذي سعى إلى توثيقه على نطاق واسع وترسيخه في الأرشيفات العربية والغربية، في مجتمع فلسطيني موحد، قبل أن تتحطمه اضطرابات عام 1948. وقد كُتب من داخل منطقة كانت لا تزال مكانًا معيشًا ومأهولًا ومنظمًا اجتماعيًا. وهكذا، كانت ثورة 1936 بمثابة اللحظة التاريخية الكبرى الأخيرة قبل تدمير المجتمع الفلسطيني وتشتته، بينما مثلت أيضًا نقطة مرجعية رئيسية للسرديات اللاحقة للنضال الوطني.
شكل قمع الثورة العربية وفشلها النهائي جزءًا من مذاهب إمبريالية أوسع لمكافحة التمرد، بناءً على التفكيك المتعمد للنسيج الاجتماعي كوسيلة للسيطرة السياسية. ومن وجهة نظر تاريخية، لم تكن الثورة مجرد لحظة تعبئة وطنية فحسب، بل كانت أيضًا بمثابة أرض اختبار للممارسات الاستعمارية، التي ظلت آثارها محسوسة لفترة طويلة بعد انتهاء الانتداب.
وقد ساهمت الرواية التي تم بناؤها حول هذه الأحداث، والتي تم تداولها على نطاق واسع عبر الصحافة العربية، في تثبيت مصطلح “الفلسطيني” كفئة سياسية وتاريخية. ومن خلال تسمية المشاركين في الانتفاضة ووضع نضالهم ضمن تسلسل زمني وطني، لعبت الصحافة دورًا حاسمًا في تحويل الانتفاضة إلى لحظة تأسيسية في السرد الجماعي.
وبالتالي، لا يمكن فهم ثورة 1936-1939 على أنها مواجهة عسكرية فحسب: فهي تشكل لحظة تبلور حيث تتلاقى ديناميكيات المقاومة، وممارسات الهيمنة الاستعمارية، والأشكال المتنافسة لإنتاج المعرفة التاريخية. لقد أصبحت جزءًا من سلسلة أطول من الأحداث التي بلغت ذروتها في تمزق عام 1948 وساهمت في ظهور حركة وطنية تم من خلالها تشكيل وعي جماعي، مبني على مقاومة الاستعمار وتأكيد الرواية الوطنية الفلسطينية.
لقد فُهمت الثورة العربية منذ فترة طويلة باعتبارها هزيمة استراتيجية نابعة من الانقسامات الداخلية وعدم توازن القوى، والآن يجري إعادة تقييمها باعتبارها لحظة تسييس جماعي ساعدت في تشكيل الوعي الوطني الناشئ. ومع ذلك، فإن فشلها أضعف الحركة الوطنية الفلسطينية في نهاية الثلاثينيات. إلى جانب تعزيز الهياكل العسكرية والسياسية للمشروع الصهيوني تحت الحماية البريطانية، يبدو أن فشل الثورة العربية كان أحد العوامل التي ساعدت في جعل تمزق عام 1948 ممكنًا. وبالتالي فهو يشكل جزءًا من تاريخ أطول من النضالات المناهضة للاستعمار، في حين يسلط الضوء أيضًا على الظروف غير المتكافئة التي يتم فيها إنتاج المعرفة التاريخية حول فلسطين ونقلها والتنازع عليها.
بعد النكبة
كان عام 1948 بمثابة نقطة تحول: فللمرة الأولى منذ أن أصبحت دولًا قومية، دخلت الدول العربية المستقلة الحرب ضد الدولة الإسرائيلية الجديدة وهُزمت. هذه هي كارثة النكبة: محو الدولة العربية في فلسطين، وتفتيت المجتمع، وظهور مشكلة اللاجئين. في التأريخ الفلسطيني، يُنظر إلى عام 1948 عمومًا على أنه “العام صفر”، وهو ما يمثل نهاية فلسطين التاريخية بحدود عصر الانتداب ونقطة البداية لتاريخ منظم الآن على أساس التشتت. إن “حطام القطار البطيء الذي لا نهاية له على ما يبدو” والذي تمثل في النكبة قد غيّر بشكل كامل الأطر التي كان يُفهم من خلالها الماضي.
قسطنطين زريق معنى الكارثة, نُشر لأول مرة باللغة العربية عام 1948، وقد أحدث تحولاً حاسماً من خلال تعريف هذه اللحظة بأنها “كارثة”، وهي هزيمة لم تكن عسكرية فحسب، بل أخلاقية ونفسية، شملت العالم العربي بأكمله ودعت إلى إعادة صياغة فكرية وسياسية للمشروع القومي العربي الذي واجهه. أدت خسارة الأرض وتجربة المنفى إلى إعادة تشكيل “جغرافيا” فلسطين، حيث تمت كتابة السرد الوطني من خارج وطنها التاريخي، محددًا معالم الأرض المفقودة، ولكن مع ذلك يتم التأكيد عليها باستمرار.
ومع ذلك، شهدت فترة الخمسينيات تراجعًا نسبيًا في الإنتاج التاريخي الفلسطيني، وفترة صمت وتشتت فكري. وقد أدى تشتت النخبة إلى بلدان مضيفة مختلفة إلى تعزيز ظهور أدب المنفى، الذي كان ممزقًا بشعور عميق بالظلم وصعوبة إعادة بناء الأطر المشتركة لإنتاج المعرفة. وفي هذا السياق، كان صعود القومية العربية يميل إلى إدراج القضية الفلسطينية ضمن إطار أوسع، مما يجعلها قضية مركزية للعالم العربي في تفاعلاته مع المجتمع الدولي، وبالتالي إنتاج قراءة “عولمة” لفلسطين.
شكلت هزيمة يونيو/حزيران 1967 نقطة تحول رئيسية أخرى أثرت على الشرق الأوسط برمته، حيث أدت إلى تحول في التوازنات السياسية والفكرية. وتزامن ذلك مع ظهور قيادة فلسطينية جديدة من حركات المقاومة المسلحة (كانوا يقاتلون)، والذي أدى ظهوره على الساحة إلى إحداث تغيير عميق في الأطر التحليلية. ترافق تجديد مركزية فلسطين في الخطاب السياسي مع تغيير في المنظور: لم يعد يُنظر إلى فلسطين على أنها مجرد قضية تدعمها الوحدة العربية، بل كوسيلة يمكن من خلالها تعزيز هذه الوحدة.
بدأ الباحثون والمؤرخون الفلسطينيون، الذين تأثروا في كثير من الحالات بالماركسية، بإعادة تفسير التاريخ الفلسطيني من خلال فئات جديدة، مما أدى إلى ظهور كتابات مسيسة للغاية ذات نزعة ناشطة قوية. كانت هذه الفترة أيضًا جديرة بالملاحظة من حيث التحول الاجتماعي في المجال الفكري: فقد ساعد جيل جديد، نشأ الكثير منه في مخيمات اللاجئين وتعلموا في شبكات الأونروا، في إعادة تعريف الشخصيات الرئيسية في السرد التاريخي، ولا سيما من خلال وضع الفلاحين المقاومين والطبقات العاملة في مركز الصدارة.
وفي الوقت نفسه، منذ منتصف الستينيات فصاعدًا، أصبح إنتاج المعرفة حول فلسطين مؤسسيًا من خلال تأسيس مراكز الأبحاث ودور النشر. وكان مقرها الرئيسي في بيروت، العاصمة الفكرية للعالم العربي في ذلك الوقت، والعاصمة الثقافية والسياسية للقضية الفلسطينية. وقد لبى هذا التطور حاجة مركزية: تأكيد وجود فلسطين خارج أراضيها، من خلال كتابة تاريخها، وإنشاء الأرشيفات، ونشر المعرفة المنظمة.
لعبت مؤسسات مثل مؤسسة الدراسات الفلسطينية، التي تأسست عام 1963، ومركز الأبحاث الفلسطيني، الذي أسسته منظمة التحرير الفلسطينية عام 1965، دورًا حاسمًا كمساحات للإنتاج العلمي، مما ساهم في تدويل الدراسات الفلسطينية. اتخذ المشروع التاريخي بعدًا تحرريًا، حيث سلط الضوء على شخصيات الفلاحين واللاجئين والمناضلين كأبطال في رواية التحرر الوطني.
ومن خلال منشوراتها وبرامجها التحريرية ومساعيها الوثائقية، ساعدت هذه المؤسسات في ترسيخ الدراسات الفلسطينية كمجال أكاديمي يجمع بين التاريخ والعلوم الاجتماعية والأرشيف ودراسات الذاكرة. أصبحت كتابة التاريخ وسيلة لمحاربة الخفاء، من خلال إنتاج روايات قادرة على استعادة الشعور بالاستمرارية التاريخية الفلسطينية عبر تمزق عام 1948.
الأرشيف ومكافحة المحو
وجه الغزو الإسرائيلي لبيروت عام 1982 ضربة قوية للعمل الثقافي والأكاديمي للمؤسسات الفلسطينية. أصبحت مراكز الأبحاث والتوثيق والمراكز الثقافية والفنية في بيروت أهدافًا رئيسية للجيش الإسرائيلي. لقد أدى نهب أرشيفات لجان المقاومة الشعبية ووحدة التصوير السينمائي التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية إلى حرمان الفلسطينيين من نسبة كبيرة من تراثهم الوثائقي. تمت مصادرة المخطوطات والصور الفوتوغرافية والأفلام والمواد المتعلقة بالحياة اليومية والمقاومة وإدراجها في الأرشيف العسكري الإسرائيلي، وفهرستها وفقًا للفئات والأعراف التي فرضتها القوة الاستعمارية.
تشكل السيطرة على الأرشيف جزءًا من عملية أوسع لإعادة كتابة الذاكرة الجماعية، والتي يتم من خلالها فرض السرد الاستعماري للماضي، ومحو كل أثر للوجود الفلسطيني أو الهوية الفلسطينية في الأراضي الإسرائيلية. ومن خلال الاستيلاء على الآثار الوثائقية الفلسطينية، تمارس إسرائيل سيطرة حاسمة على الظروف التي يمكن فيها إنتاج المعرفة التاريخية وحفظها ونقلها. في سياق السلب هذا، تصبح كتابة التاريخ وجمع الأرشيف وسائل أساسية لمقاومة المحو. إن الحفاظ على الأرشيف وإعادة بنائه ومشاركته له أهمية سياسية وتذكارية وعلمية.
ومع عدم وجود دولة فلسطينية ذات سيادة ومع تشتت الأرشيفات، أصبح التاريخ الشفهي أحد الأساليب الرئيسية لإنتاج المعرفة التاريخية عن فلسطين. وتصبح الشفهية ممارسة تاريخية وفعلًا سياسيًا في الوقت نفسه، تهدف إلى تأكيد وجود شعب مشتت والحفاظ على ذاكرة مجتمع تم تدميره في عام 1948. ومنذ الثمانينيات فصاعدًا، تم تنفيذ حملات لجمع الشهادات الشفهية حول النكبة في الأراضي الفلسطينية وبين الشتات من قبل الجامعات ومراكز الأبحاث والمنظمات غير الحكومية.
إن العدد المتزايد باستمرار من الروايات والتسجيلات والصور الفوتوغرافية والأرشيفات العائلية هو جزء مما أسماه بشارة دوماني “حمى الأرشيف” الفلسطينية. في مخيمات اللاجئين ومراكز الأبحاث والأماكن المحلية، يجمع الفلسطينيون آثار العالم المفقود. قصص الحياة، والأغاني الشعبية، والتطريز، وخرائط القرى المدمرة، وألبومات الصور تصبح وسائل للذاكرة. من خلال إعطاء دور مركزي للاجئين والفلاحين والنساء، تبرز هذه الروايات تاريخًا بديلاً مؤسسًا على التجربة الحية للاقتلاع والنفي – تاريخ مكتوب من الأسفل إلى الأعلى.
تظهر ثلاثة خطوط تفكير عند النظر إلى الأرشيف والتاريخ في هذا السياق. الأول يتعلق بالعلاقة الاستعمارية بالأرشيف. منذ إنشاء دولة إسرائيل، اتسم التاريخ الفلسطيني بمصادرة وإعادة استخدام وإعادة الاستيلاء على آثار الماضي والتراث الثقافي الفلسطيني. تعد المحفوظات والمكتبات والمصنوعات الأثرية أهدافًا متكررة للقوة الاستعمارية التي تسعى ليس فقط للسيطرة على الأراضي، ولكن أيضًا لفرض سردها التاريخي الخاص. إن نهب المكتبات الفلسطينية عام 1948، ومصادرة أرشيف منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت عام 1982، والتدمير الأخير للمراكز الثقافية والتوثيقية في غزة، كلها مدفوعة بالمنطق نفسه: السيطرة على الظروف التي يتم فيها إنتاج المعرفة ونقلها.
ويتعلق البعد الثاني بضرورة إعادة التفكير في الشكل الذي تتخذه الأرشيفات في سياق الاحتلال الدائم. وفي غياب دولة فلسطينية ذات سيادة قادرة على حماية المجموعات من خلال المؤسسات، فإن الهياكل المركزية مثل المتاحف ودور المحفوظات معرضة للخطر بشكل خاص. تجربة المتحف الفلسطيني في بيرزيت، الذي افتتح فارغا عام 2016 كبادرة رمزية، تظهر استحالة حماية المجموعات الفنية على المدى الطويل في ظل السيطرة الاستعمارية. كان غياب القطع المعروضة بمثابة استراتيجية للحفظ ونقد سياسي للحالة الاستعمارية. ومن هذا المنظور، يجب تصور الأرشيف الفلسطيني على أنه هياكل متنقلة أو متناثرة أو رقمية أو مخفية، قادرة على تجنب النهب والتدمير.
أما البعد الثالث والأخير فيتعلق بحقيقة أن فلسطين موجودة الآن خارج حدود أراضيها الجغرافية. وقد ساهم تشتت الفلسطينيين، كنتيجة مباشرة للنكبة والتهجير المتتالي، في نشر آثار فلسطين في جميع أنحاء العالم. وبفضل تدويل القضية الفلسطينية وشبكات التضامن العابرة للحدود الوطنية، أصبحت الأرشيفات الفلسطينية تتداول الآن في العديد من المساحات. إن نسخ الأفلام التي أعيد اكتشافها في طوكيو أو روما، والصور الفوتوغرافية المحفوظة في مجموعات خاصة في أوروبا، والوثائق التي يحميها الناشطون أو المؤسسات الأجنبية، كلها تثبت حضور فلسطين المجزأ ولكن المستمر في العالم.
وبالتالي، أصبح التشتيت، الذي تم تجربته في المقام الأول على أنه نزع للملكية، وسيلة للحفاظ على الرواية التاريخية الفلسطينية. لا يمكن فهم فلسطين باعتبارها أرضًا محتلة فحسب: فهي موجودة أيضًا ككوكبة مجزأة من الأرشيفات والروايات والأعمال الفكرية والذكريات المنتشرة في جميع أنحاء العالم. يتم بناء التاريخ الفلسطيني من النسخ والشهادات الشفهية وتوزيع الوثائق التي نجت من ديناميات المحو. وفي هذا السياق، فإن إنتاج المعرفة، ونشر المجلات، ورقمنة الأرشيف، وتعقب الأفلام المفقودة، كلها جزء من نفس النضال للحفاظ على إمكانية وجود تاريخ فلسطيني حيًا.
منذ عام 2023، غيرت الحرب على غزة بشكل عميق طريقة إنتاج الرواية الفلسطينية ونقلها. على الرغم من الدمار الذي حل بحياة الناس والأماكن والأرشيف المادي، لا يزال الفلسطينيون يوثقون حياتهم اليومية، ويشاركون تجاربهم في الحرب، ويحافظون على آثار وجودهم. أصبحت المدونات والصحف الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي والمنصات التعاونية أرشيفات بديلة، يتم إنتاجها من الهوامش وتفلت جزئيًا من سيطرة الروايات المهيمنة. يشكل هذا التوثيق الرقمي جزءًا من تاريخ أطول للنضال الفلسطيني ضد المحو.
عندما تتم مصادرة الأرشيف، وتدمير المكتبات، وتبقى المؤسسات الثقافية هشة، فإن توثيق الحياة العادية يصبح عملاً من أعمال المقاومة. تساعد كل شهادة وصورة وسرد في الحفاظ على ذاكرة جماعية مهددة بالاختفاء. وبهذا المعنى، فإن التاريخ الشفهي ووسائل التواصل الاجتماعي والمدونات الفلسطينية ليست فقط مساحات للتعبير عن الذات، ولكنها تساهم أيضًا في بناء أرشيف حي لامركزي. وبهذه الطريقة، توسعت كتابة التاريخ الفلسطيني الآن خارج إطار المؤسسات الأكاديمية ومراكز الأرشيف والحدود التي فرضها التشتت والاحتلال. يساعد هذا التأريخ المتجدد باستمرار على تحدي الرواية الإسرائيلية السائدة وإعادة وضع تاريخ فلسطين في رواية مشتركة أوسع للأرض، وبالتالي مواجهة ديناميكيات المحو.
تمت ترجمته وتحريره بواسطة Cadenza Academic Translations

تم النشر بالتعاون مع CAIRN International Edition
Â







