في أسبوع حافل بالأحداث في الشرق الأوسط، كثفت المملكة العربية السعودية مشاركتها مع لبنان من خلال اتصالات رفيعة المستوى، مما يوفر دفعة سياسية كبيرة للجهود الرامية إلى تعزيز وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله المدعوم من إيران.
وبعد التوصل إلى الهدنة، أشادت وزارة الخارجية السعودية بالاتفاق. وأثنت على “الأدوار المهمة والإيجابية” التي قام بها الرئيس اللبناني جوزف عون ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام ورئيس مجلس النواب نبيه بري.
وجاء وقف إطلاق النار بعد الجولة الأولى من المحادثات المباشرة بين السفيرين الإسرائيلي واللبناني، التي عقدت في وزارة الخارجية الأمريكية في واشنطن.
وقبل التوصل إلى الاتفاق، ومع تصعيد حزب الله لهجته الرافضة للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل، سافر النائب علي حسن خليل، عضو كتلة بري النيابية، إلى الرياض للقاء المبعوث السعودي إلى لبنان الأمير يزيد بن فرحان.
وأجروا مناقشات بناء على طلب السعودية، بحسب مصادر لبنانية مطلعة على الأمر. والسيد بري حليف لحزب الله. وتشير هذه الخطوة إلى إطلاق جهود سياسية متزايدة للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت المملكة أكثر انخراطاً في الجهود الرامية إلى وقف الأزمة اللبنانية، سعياً إلى وقف الحرب بين إسرائيل وحزب الله وفتح الطريق نحو تسوية سياسية، وسط ما وصفه بعض المراقبين الإقليميين بأنه اعتراف ضمني من طهران بدور الرياض في لبنان.
أجرى السيد عون هذا الأسبوع مكالمة هاتفية مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، أكد خلالها الزعيم السعودي دعم المملكة للبنان وشعبه.
واستمرت الجهود الدبلوماسية بزيارة الأمير يزيد إلى لبنان يوم الخميس، والتي تزامنت مع جولة ثانية من المحادثات بين إسرائيل ولبنان عقدت في البيت الأبيض وحضرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وقالت مصادر لبنانية إن الأمير يزيد كان في باريس قبل أن يسافر إلى بيروت حيث عقد سلسلة اجتماعات تهدف إلى تمديد وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله. تم تحديد الهدنة الأولية لمدة 10 أيام. وعقب اجتماع واشنطن، أعلن ترامب تمديد وقف إطلاق النار لمدة ثلاثة أسابيع.
وبحث الأمير يزيد مع السيد سلام والسيد عون دور المملكة العربية السعودية في دعم لبنان لتجاوز هذه المرحلة، فضلا عن ضرورة الحفاظ على السلم الاهلي والحفاظ على الاستقرار الداخلي. كما نقل أهمية التنفيذ الكامل لاتفاق الطائف، بحسب مصادر مطلعة.
اتفاق الطائف هو اتفاق تم التوصل إليه عام 1989 في الطائف بالمملكة العربية السعودية، بهدف إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية التي دامت 15 عاماً. فقد أعاد توازن السلطة السياسية من خلال تقليص سلطة الرئاسة المسيحية المارونية لصالح حكومة أقوى وتوزيع طائفي أكثر عدالة للمقاعد البرلمانية بين المسيحيين والمسلمين.
كما دعت إلى نزع سلاح الميليشيات باستثناء حزب الله، الذي سُمح له في ذلك الوقت بالاحتفاظ بسلاحه لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي.
أما الوضع اليوم فهو مختلف، حيث تسعى الدولة اللبنانية إلى إعادة تأكيد سيادتها على كافة أراضيها، وتحركت لحظر الأنشطة العسكرية لحزب الله. وجاء ذلك في أعقاب قرار الجماعة بفتح النار على إسرائيل انتقاما لمقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي. وتسلط خطوة الحكومة الضوء على تحول جذري في ميزان القوى في لبنان.
تسوية أوسع
وقال مسؤول حكومي لبناني الوطنية أن السعودية تتحرك في إطار تسوية إقليمية أوسع للمساعدة في معالجة المشاكل في لبنان.
وقال المسؤول إن “التحركات السعودية في لبنان هي خطوة استباقية قبل تبلور التفاهمات الإقليمية. وتفضل الرياض تنظيم الوتيرة، خاصة على الجبهة اللبنانية”.
أعادت المملكة العربية السعودية التواصل مع لبنان بعد انتخاب السيد عون رئيسا في عام 2025، وتعيين نواف سلام رئيسا للوزراء، فضلا عن المناقشات الجادة التي أجرتها الحكومة اللبنانية بشأن نزع سلاح حزب الله. ويمثل هذا التحول خروجاً عن سنوات من المسافة الدبلوماسية السعودية، مدفوعة إلى حد كبير بنفوذ إيران المتزايد في لبنان من خلال دعمها لحزب الله.
لقد سيطر حزب الله، الذي كان ذات يوم جماعة عسكرية وسياسية قوية، على مؤسسات الدولة اللبنانية لفترة طويلة، ووُصِف بأنه “دولة داخل الدولة”. كما تبنت الجماعة في الماضي مواقف معادية للسعودية.
لكن في سبتمبر/أيلول، حث زعيم حزب الله نعيم قاسم المملكة على فتح “صفحة جديدة” مع الجماعة ووضع خلافاتها السابقة جانبا لإنشاء جبهة موحدة ضد إسرائيل. وصنفت السعودية ودول خليجية أخرى حزب الله منظمة إرهابية في عام 2016.
لقد أبدت الرياض تاريخياً احترامها للتنوع الطائفي في لبنان، من دون الانخراط في التوازنات الطائفية الداخلية في البلاد. كما حافظت على علاقاتها مع الشخصيات السياسية والدينية من مختلف الطوائف اللبنانية.
وقال المسؤول الحكومي: “في حين أن المملكة العربية السعودية لا تحتفظ بعلاقات جيدة مع حزب الله، فإنها تضع في اعتبارها أيضًا الحفاظ على التوازن الطائفي في لبنان وتجنب تهميش أو إقصاء أي طائفة رئيسية”.







