Home العربية إن السلام في الخليج يتطلب المساءلة، وليس التنازلات الاستراتيجية

إن السلام في الخليج يتطلب المساءلة، وليس التنازلات الاستراتيجية

30
0

يجري تقديم الزخم المتنامي وراء التوصل إلى اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران على المستوى الدولي باعتباره اختراقاً دبلوماسياً قادراً على منع نشوب حرب إقليمية أوسع نطاقاً. وتشير التقارير إلى أن الإطار قد يشمل إعادة فتح مضيق هرمز، وتخفيف العقوبات، وترتيب وقف إطلاق النار، والمفاوضات النووية المستقبلية.

ولكن من وجهة النظر الخليجية، فإن القضية لا تتعلق ببساطة بما إذا كان سيتم التوصل إلى اتفاق أم لا. والسؤال الحقيقي هنا هو أي نوع من الاتفاق قد ينشأ ــ وما إذا كان يعمل على تعزيز الاستقرار الإقليمي في الأمد البعيد أم أنه يكافئ عن غير قصد نفس التكتيكات التي أدت إلى خلق الأزمة في المقام الأول.

إن دول الخليج هي التي ستخسر الكثير من أي حالة من عدم الاستقرار تتعلق بمضيق هرمز. وترتبط اقتصاداتها وصادراتها من الطاقة والتجارة البحرية والأمن القومي بشكل مباشر بالتدفق المستمر للشحن الدولي عبر مياه الخليج. وخلافاً للقوى العالمية التي تستطيع التعامل مع الأزمة من خلال حسابات جيوسياسية أوسع، فإن دول مجلس التعاون الخليجي تعيش العواقب بشكل مباشر ومباشر.

ولهذا السبب من المرجح أن تدعم العواصم الخليجية أي اتفاق يخفف التوترات بشكل حقيقي ويضمن حرية الملاحة ويعيد الاستقرار الإقليمي. لكن لديهم ما يبررهم بالقدر نفسه في الخوف من ترتيب يسمح لإيران بالظهور بشكل أقوى سياسيا بعد أشهر من التصعيد والتهديدات لخطوط الشحن وتكتيكات الضغط الإقليمية.

إن قدراً كبيراً من الزخم الدبلوماسي الحالي يرجع على وجه التحديد إلى أن إيران أظهرت قدرتها على تعطيل واحد من أكثر الممرات البحرية أهمية في العالم. وأثارت تهديدات طهران المحيطة بمضيق هرمز مخاوف عالمية بشأن الطاقة وارتفاع أسعار النفط ومخاوف من اضطراب اقتصادي يتجاوز منطقة الشرق الأوسط.

وأي اتفاق يبدو أنه يكافئ النفوذ القسري يهدد بتشجيع أزمات مماثلة في المستقبل

هاني هزايمة

وإذا كانت النتيجة النهائية لهذه المواجهة هي تخفيف العقوبات الكبرى، والاعتراف الدولي بنفوذ إيران الاستراتيجي وتوسيع نفوذها الإقليمي دون فرض قيود حقيقية على سلوكها في المستقبل، فإن الرسالة المرسلة إلى المنطقة ستكون خطيرة للغاية: التصعيد ناجح.

ولا ينبغي السماح لأي دولة باستخدام الممرات المائية الدولية كسلاح، وتهديد التجارة العالمية ثم تحويل هذا الضغط إلى مكاسب سياسية واقتصادية دون التزامات ملزمة بالاستقرار في المستقبل. إن أي اتفاق يبدو أنه يكافئ النفوذ القسري يهدد بتشجيع أزمات مماثلة في المستقبل – وليس منعها.

بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، القضية الأساسية ليست معارضة الدبلوماسية مع إيران. وقد سعت دول الخليج نفسها باستمرار إلى وقف التصعيد والحوار والمشاركة العملية في السنوات الأخيرة. والمشكلة هنا هي ما إذا كانت الدبلوماسية تعالج الأسباب الجذرية لعدم الاستقرار أم أنها تعمل فقط على تجميد التوترات مؤقتاً في حين تترك اختلال التوازن الاستراتيجي دون مساس.

ولذلك فإن أي اتفاق مستدام يجب أن يتضمن ضمانات واضحة فيما يتعلق بالأمن البحري وحرية الملاحة وفقا للقانون الدولي.

ولا يجوز أن يصبح مضيق هرمز خاضعاً للمساومات السياسية أو الوصول الانتقائي استناداً إلى حسابات إيران. تخضع ممرات الشحن الدولية للقوانين والمبادئ البحرية الراسخة التي تضمن حرية المرور لجميع الدول. إن التقارير والتكهنات التي تشير إلى أن إيران قد تسعى إلى الحصول على اعتراف خاص بسيطرتها على المضيق أو نفوذها المميز على ترتيبات العبور، يجب رفضها بالكامل.

إن مثل هذه السابقة من شأنها أن تقوض بشكل أساسي المعايير البحرية الدولية وتخلق حالة من عدم اليقين الدائم في أسواق الطاقة العالمية.

ومن منظور الخليج، فإن أي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران يجب أن يرسي التزامات واضحة وقابلة للتنفيذ تمنع التهديدات المستقبلية لطرق الشحن وصادرات الطاقة والبنية التحتية التجارية الإقليمية. الوعود المؤقتة ليست كافية. لقد شهدت المنطقة بالفعل دورات متكررة من التصعيد أعقبتها اتفاقيات هشة لخفض التصعيد فشلت في حل التوترات الأساسية.

وتمثل المفاوضات الحالية اختبارا مهما لمصداقية النظام الدولي

هاني هزايمة

ومن المحتمل أيضًا أن تشعر دول مجلس التعاون الخليجي بالقلق من أن بعض القوى الغربية قد تعطي الأولوية للاستقرار الفوري على التوازن طويل المدى. قد يكون الهدف الأساسي لواشنطن هو تجنب مواجهة عسكرية مكلفة أخرى وتحقيق الاستقرار في أسواق النفط العالمية قبل أن يتفاقم الضرر الاقتصادي. ولكن يتعين على المنطقة أن تفكر فيما هو أبعد من ردود أفعال السوق القصيرة الأمد. وينصب اهتمامهم على النظام الإقليمي المستقبلي الذي قد ينشأ عن مثل هذه المفاوضات.

إذا حصلت إيران على انتعاش اقتصادي، وتخفيف العقوبات، وشرعية دبلوماسية مع الحفاظ على آليات الضغط الإقليمية سليمة، فإن التوازن الاستراتيجي في الخليج يمكن أن يتحول بطرق تؤدي إلى زيادة انعدام الأمن على المدى الطويل.

وهذا أمر مهم بشكل خاص لأن القضية النووية وحدها لم تكن أبدا المصدر الوحيد لمخاوف الخليج. وتظل شبكات الوكلاء الإقليمية، والقدرات الصاروخية، وتكتيكات الضغط البحري، والتدخل في الشؤون العربية، عناصر أساسية في المعادلة الأمنية الأوسع. إن التوصل إلى اتفاق ضيق يركز فقط على تخصيب اليورانيوم مع تجاهل هذه الديناميكيات الأوسع من شأنه أن يترك العديد من مخاوف دول مجلس التعاون الخليجي دون حل.

وفي الوقت نفسه، تدرك دول الخليج أن المواجهة الدائمة مع إيران ليست طريقاً قابلاً للتطبيق للمضي قدماً. الجغرافيا تجعل التعايش أمرا لا مفر منه. إن الاستقرار في الخليج يتطلب في نهاية المطاف تفاهمات إقليمية تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل والالتزام بالقانون الدولي.

وتمثل المفاوضات الحالية اختباراً مهماً، ليس فقط للعلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، بل وأيضاً لمصداقية النظام الدولي ذاته. وإذا أصبح الأمن البحري وطرق التجارة الدولية رهينة خلال فترات المواجهة السياسية، فإن الاستقرار العالمي يصبح عرضة للإكراه المتكرر.

ولهذا السبب فإن أي اتفاق يجب أن يتجاوز اللغة الدبلوماسية الغامضة وأن ينشئ آليات ملموسة تضمن حرية الملاحة، واحترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الإقليمية.

وبالنسبة للمنطقة، فإن النجاح لن يقاس ببساطة بمجرد توقف القتال مؤقتاً. وسيتم قياس ذلك من خلال ما إذا كان الاتفاق يخلق إطارًا إقليميًا مستقرًا حيث لا تستطيع أي دولة تهديد الرخاء الجماعي من خلال الاضطراب البحري أو الابتزاز الجيوسياسي.

دول الخليج لا تسعى إلى انهيار إيران، ولا تسعى إلى مواجهة لا نهاية لها. إنهم يسعون إلى إقامة نظام إقليمي متوازن حيث يكون الاستقرار محمياً بموجب القانون الدولي بدلاً من أن يمليه أي شخص قادر على إحداث أكبر قدر من الاضطراب.

  • هاني هزايمة محرر أول مقيم في عمان. X: @hanihazaimeh